الصفحة الرئيسية

عودة

ملامح من المؤتمر الدولي للتربية (1) ...إجماع دولي على تعليم جيد لجميع الشباب

كان المؤتمر الدولي للتربية في دورته السابعة والاربعين برعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة تحت شعار «تأمين التعليم الجيد لكل الشباب» «التحديات والاتجاهات والاولويات» والذي عقد في جنيف بسويسرا في الفترة من 11-8 سبتمبر الجاري كان أكثر من مجرد تجمع دولي فقد كان أشبه ما يكون بمنتدى فكري- اكاديمي زاخر من الافكار الجديدة والآراء المتنوعة والمناقشات المثيرة وعلى امتداد اربعة ايام قام حوالي أكثر من 1000 مشارك يمثلون أكثر من 135 دولة بمناقشة الاستراتيجيات والاستماع الى بعضهم البعض من اجل الوصول الى تعليم جيد لجميع الشباب تحديات وميول وأولويات.. وهذا لا يتم إلا بالالتزام الدولي من قبل المعنيين بالتربية.

وضم المؤتمر عدداً كبيراً من الوزراء ورؤساء منظمات دولية كبيرة ووكالات مانحة ونشطاء ومعلمين وطلاب وشاركت فيه قطر بوفد تربوي برئاسة سعادة وزيرة التربية والتعليم وتم تنظيم المؤتمر الذي رعته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة والذي استضافته جنيف بسويسرا واقيم بمركز (فارامبية) للمؤتمرات.

وقد رأينا ان يكون هذا التقرير على صورته المنشورة حتى يصل إلى النادي المهتم دون تدخل منا إلا ما دعت اليه الضرورة.

تتمثل الاهداف الرئيسية للدورة السابعة والاربعين للمؤتمر الدولي للتربية فيما يلي:

1- مناقشة المسائل الرئيسية المتعلقة بتأمين التعليم الجيد لكل الشباب بطريقة تتسم بالانفتاح والتعميق، (2) تحديد المسائل التي تحظى باتفاق في الآراء بشأنها أو تشكل مثارا للجدل، والدروس التي ينبغي استخلاصها في مجال السياسات التربوية. (3) حفز وتعزيز الحوار الدولي بشأن السياسات التربوية، (4) اعتماد «رسالة موجهة الى العالم»، (5) اعتماد استنتاجات ومقترحات عمل تيسر تطوير القدرات الفردية وبوجه اخص القدرات الجماعية، على الصعيدين الوطني والدولي، (6) تكوين تصورات طويلة الاجل بشأن هذه المسائل بغية وضع سياسات تربوية في كل انحاء العالم تتوافق على نحو أفضل مع الاحتياجات التعليمية- الفردية والجماعية- للشباب ومع الواقع الاجتماعي- الاقتصادي في بداية القرن الحادي والعشرين.

وتمثل وثيقة العمل نقطة انطلاق تستهدف في المقام الاول وضع «معالم» لاعمال المؤتمر الدولي للتربية فالقارئ مدعو إذن إلى الرجوع اليها ومناقشتها والاعتراض عليها او اثرائها بروح الرغبة في تبادل المعلومات والحوار، والنقاش واتخاذ المواقف (حتى المتنازع فيها)، وذلك من منظور اثراء المناقشات بشأن التربية على المستوى العالمي.

ومن ابرز التحديات المطروحة في مجال تعليم الشباب من اجل الوصول الى عولمة ذات وجه إنساني هي:

1- التحديات الاقتصادية والتحديات التربوية.

2- التحديات الثقافية والاجتماعية وتعليم الشباب.

3- التحدي الذي يمثله بناء هوية الشباب في اطار العولمة.

4- التحديث السياسي: العولمة وصورة الدولة المعلمة.

5- العولمة والتنمية المستدامة.

وقد وفر المؤتمر الدولي للتربية اطاراً وفرصة ممتازة لمناقشة هذه المسائل وللبحث معاً عن حلول لها فهو يشكل في الواقع منتدى لا مثيل له- بوصفه مؤتمراً عالميا يضم وزراء التربية- ليس فقط لاستعراض المشكلات والاوضاع المثيرة للقلق بل وايضا لاكتشاف ممارسات واعدة من شأنها ان تحفز على وضع سياسات اكثر موائمة.

 

التحديات المطروحة

يتزايد عدد النشء والشباب الذين ينهون مرحلة التعليم الابتدائي تزايدا بالغ السرعة، فلقد ارتفعت اعداد الملتحقين بالتعليم الثانوي بمقدار عشرة امثال خلال السنوات الخمسين الماضية على الصعيد العالمي، كما ارتفع المتوسط العالمي للنسبة الاجمالية للملتحقين بالتعليم الثانوي من 56% في عام 1990 إلى 77.5% في عام 2000، مما يمثل زيادة قدرها 38% وتقترن هذه الظاهرة، من جهة، بنمو سكاني كبير في بعض مناطق العالم، ولاسيما في المناطق الفقيرة، وتقترن من جهة اخرى، باقتناع ملايين الناس بان التعليم الثانوي هو وحده الذي يتيح، فيما يبدو، العثور على عمل، والحصول على أجر معقول، وتحسين ظروف العيش، وتبين الاحصاءات ان هناك بالفعل صلة بين مستوى التعليم ومستوى التنمية، ففي البلدان العشرين ذات التنمية البشرية المنخفضة والتي تتوافر لدينا بيانات عنها، يصل متوسط النسبة الصافية للالتحاق بالتعليم الثانوي في السنة الدراسية 2001-2000 الى 19% مع تفاوت هذه النسبة بين 5 و40% وفي البلدان التسعة والخمسين ذات التنمية البشرية المتوسطة، يصل هذا المتوسط إلى 55% (مع تباين النسب بين 21 و88%)، اما البلدان الخمسة والاربعون «ذات التنمية البشرية المرتفعة» فيصل هذا المتوسط فيها الى 33% مع تفاوت النسب بين 49 و101% ومن الطبيعي، من ثم، ان تعقد جماعات كبيرة من السكان املا وطيدا في ان يواصل كل ناشيء تعلمه داخل التعليم النظامي من اجل تنمية كل مواهبه، وتحسين ظروف العيش، والخروج من ربقة الفقر، والاندماج في الحياة العملية، والاسهام في التنمية.

ولكننا نلمس، في الوقت نفسه، تنامى الشعور بعدم الرضا في كل من البلدان الغنية والفقيرة، وفي كل من المؤسسات التي تتولى تدريب النخب وتلك التي تتوجه الى الطبقات الاجتماعية الجديدة التي تنتفع بالتعليم الثانوي، وكذلك في صفوف النشء والشباب الذين لم يتسن لهم الالتحاق بنظام التعليم ويرتبط فقدان الثقة بشعور شبه عام بانخفاض مستوى ما يحصله المنتفعون بالتعليم الثانوي، في جميع مناطق العالم، وعلى الرغم من ان هذا الانخفاض في مستوى المكتسبات المحصلة ليس واضحا، وانه لا تتوافر في هذا الشأن دراسات علمية، او ان هذه الدراسات- إن توافرت- قد يشوبها القصور احيانا، فان تعليم الشباب في مختلف الاشكال الراهنة للتعليم الثانوي لم يعد، فيما يبدو، يلبي بشكل كاف احتياجات الافراد والمجتمعات في اي مكان من العالم، وهذا الشعور العام بعدم الرضا، حتى وإن تفاوتت شدته تفاوتا مهما بين المناطق والجماعات المختلفة، يقترن فيما يبدو بصعوبة تحديد وتلبية الاحتياجات التربوية البالغة التنوع للنشء والشباب في عالم يتسم في آن معا بترابطه وتفاوته المتزايدين اللذين يشكلان مظهرا من مظاهر العولمة.

ومحاولة تحديد الاحتياجات التربوية للشباب في العصر الراهن تقتضي، في المقام الاول، الوقوف على سمات هذا العصر الجديد الذي يتسم بالعولمة على وجه الخصوص، وتقتضي ايضا فهم ما للعولمة من انعكاسات اقتصادية وثقافية وسياسية، ولاسيما ما تطرحه من تحديات ترتبط ببناء هوية الافراد واعادة بناء المؤسسات.

ونحن نعرف حق المعرفة ان جمود النماذج التربوية لايزال قويا للغاية فقد انشئت هذه النماذج استنادا الى فرضيات من قبيل الدور المهيمن للدولة القومية، وقدرتها على اقامة مجتمع يسوده الاخاء يتألف من افراد يتقاسمون قيما واحدة تغرسها وتنقلها المصنفات الادبية والارتباط بالماضي، ويفترض في هذا النموذج ايضا ان يهيئ لاحتياجات عالم العمل، ولكن عالم العمل هذا اضحى يتخذ اشكالا مستجدة اكثر فاكثر ويصعب التنبؤ بها ومن ثم، تتخلل موضوع المؤتمر من شتى جوانبه اشكالية اساسية هي: كيف يمكن الاستجابة للاحتياجات التربوية للشباب في مستهل القرن الحادي والعشرين، ومن ذا الذي سيحدد، في نهاية المطاف، هذه الاحتياجات ثم الاستراتيجيات الكفيلة بتلبيتها!

ويتناول الجزء الاول من هذه الوثيقة بعض الافكار والبيانات الخاصة بالعولمة، وعناصرها، والتحديات التربوية التي تطرح نفسها في مرحلة المراهقة واولى سنوات الشباب.

 

العولمة والشباب

العولمة ظاهرة مركبة لها جوانب وانعكاسات متعددة ويذكر تقرير «اللجنة العالمية المعنية بالبعد الاجتماعي للعولمة» (مكتب التربية الدولي 2004) بالخصائص الرئيسية لظاهرة العولمة الحديثة العهد.

 

التحديات الاقتصادية

سجلت التجارة العالمية نموا سريعا فقد اصبحت البيئة العالمية منذ عام 1980 أكثر مواتاة بقدر كبير لنمو الاستثمارات المباشرة الاجنبية ولئن كان نمو حركة الاستثمارات المباشرة الاجنبية صوب البلدان النامية سريعا فانه كان ايضا نموا انتقائيا، اذ تظل الاستثمارات مركزة تركيزا شديد في اثنى عشر من هذه البلدان والاقاليم النامية التي تضم سكانا شبابا ملتحقين بالمدارس على نطاق واسع (الصين والبرازيل والمكسيك ومنطقة هونج كونج الصينية الادارية الخاصة، وسنغافورة، والارجنتين، وماليزيا، وبرمودا، وشيلي، وتايلاند، وجمهورية كوريا، وفنزويلا).

ومن جهة أخرى تغيرت طبيعة الاستثمارات ذاتها، فبفضل تكنولوجيات المعلومات والاتصال وانخفاض تكاليف النقل، بات من السهل توزيع عمليات الانتاج على ارجاء مختلفة من العالم، مما يتيح للشركات ان تستفيد من الفروق في التكاليف، ومن العوامل والظروف الاكثر مواتاة للاستثمارات، ومن بين تلك العوامل والظروف مستوى التعليم والمهارات التعليمية للسكان النشطين على الصعيد الاقتصادي.

وإن الاندماج السريع للاسواق المالية خلال السنوات العشرين الماضية يمثل بلا ريب اكثر جوانب العولمة اثارة وابهارا فسهولة انتقال رؤوس الاموال على نحو يسمح باجراء المعاملات المالية في جميع انحاء العالم على مدار الليل والنهار تشجع مرونة العمل والحراك المادي والافتراضي.

كما تزداد على صعيد اخر كثافة التحركات السكانية، اذ يضم العالم اليوم، حسبما تفيد المنظمة الدولية للهجرة، ما لا يقل عن 175 مليون «مغترب» وهو ضعف عددهم في عام 1975 (المنظمة الدولية للهجرة، 2002) وتنتقل نسبة كبيرة من هؤلاء دون وجهة محددة، من الجنوب الى الشمال، وكذلك من الشمال الى الجنوب، ولئن كنا نستطيع ان نطلق على بعض هؤلاء المغتربين اسم المهاجرين الحقيقيين الذين يسعون الى الاندماج في البلد الذي حلوا به، فان كثيرين غيرهم يعتبرون «اقواما رحل بحثا عن فرص العمل» فهم يسعون الى كسب الرزق في بلدان مختلفة، وتدفعهم اسباب جديدة الى التنقل، ويظلون حريصين على الاحتفاظ بعلاقات وثيقة مع بلدانهم الاصلية التي تركوا فيها اسرهم واطفالهم وماضيهم، بل ومستقبلهم احيانا، والتي يرسلون اليها مليارات الدولارات كل عام.

ولئن كانت الثورة التكنولوجية التي يسرت العولمة على هذا النحو قد تطورت في البلدان الصناعية فانها تنعكس على الاقتصاد العالمي بأسره وقد غيرت هذه الثورة المزايا النسبية الدولية إلى حد ما، جاعلة من المعرفة عاملا بالغ الاهمية من عوامل الانتاج، فشهدت الانشطة التي تتطلب درجة رفيعة من المعارف والتي تستخدم تكنولوجيات متقدمة اعلى معدلات النمو، وبات يتعين على البلدان، كي تنجح في تنميتها الاقتصادية، ان تتزود بالوسائل التي تتيح لها النفاذ الى هذا القطاع والمنافسة فيه، الامر الذي يفترض على وجه الخصوص ان تزيد استثماراتها في مجالات التعليم والتدريب ونشر المعرفة.

ونلاحظ على مستوى الانتفاع بالمعرفة والتكنولوجيا، كما نلاحظ في سائر المجالات، اختلالات شديدة في التوازن وخاصة بين الشمال والجنوب فالتكنولوجيات الجديدة قد ظهرت كلها تقريبا في الشمال حيث تتركز ايضا معظم انشطة البحوث والتطوير وتلك التكنولوجيات نفسها التي اتاحت ظهور العولمة الاقتصادية الشريعة هي ايضا التكنولوجيات التي تستخدمها بطريقة اعم الحكومات والمجتمع المدني والافراد، فقد اتاحت شبكة الانترنت، والتراسل الالكتروني وانخفاض اسعار المكالمات الهاتفية الدولية، والهاتف المحمول، والمؤتمرات الالكترونية مضاعفة الاتصالات على النطاق العالمي، ويمكن الحصول الآن، من اي مكان في العالم موصول بالانترنت، على حجم هائل وسريع النمو من المعلومات، كما ان التليفزيون الساتلي والصحافة الالكترونية قد خلقا سلطة عالمية رابعة واصبحت المعارف تتحدد في الوقت نفسه وللمرة الاولى في تريخ البشرية، بوتيرة اسرع من تعاقب الاجيال، ولكن التعليم الثانوي بالصورة التي انشئ بها، يظل يتعامل مع المعارف كما لو كانت قيمته لا تتغير، ومن جهة اخرى فان تطور تكنولوجيات المعلومات، التي تروج بسرعة كبيرة ثقافة عالمية، يتحدى بشكل ما ثقافة التعليم الثانوي المبنية في معظم الاحوال حول مناهج ذات مضامين وطنية (من مصنفات ادبية مرجعية، ومقررات التاريخ والجغرافيا الوطنية، وما الى ذلك).

وكل هذه التغيرات يرتبط بعضها بالبعض الاخر، وهي تشكل كلا متكاملا وتؤثر أكثر فاكثر على قوى السوق العالمي وثمة تغير عميق يؤثر على دور الدولة وسلوك الاهداف الاقتصادية ويصوغ نظام الانتاج العالمي بصورة متزايدة بنية المبادلات التجارية والاستثمارات المباشرة الاجنبية ويكتسي التنافس بين الدول على اجتذاب رؤوس الاموال ومواقع الانتاج واماكن العمل الى اراضيها صورا جديدة ترتبط بتوافر تكنلوجيات المعلومات والاتصال وتطورها السريع.

ولا ريب في ان ازدهار المذاهب الاقتصادية المؤيدة للسوق خلال السنوات العشرين الماضية قد ادى دورا اساسيا في انشاء المؤسسات التي اتاحت ظهور العولمة وكان التيار الشيوعية في اوروبا منعطفا حاسما فبين عام 1989 وعام 1990، التحق 30 بلدا اضافيا تضم نحو 400 مليون نسمة، دفعة واحدة، الى اقتصاد السوق الحرة.

واوجد ظهور نظم انتاج عالمية تقوم بتداول تدفقات متنامية من الاستثمارات الحرة الاجنبية فرصا جديدة في مجال النمو والتصنيع في البلدان النامية والاطراف الرئيسية في هذه النظم تتمثل في نحو 65 الف شركة متعددة الجنسية، ترتبط بها نحو 850 الف شركة اخرى وهي تنسق سلاسل الامداد العالمية التي تربط بين شركات البلدان المختلفة، بما تضمه حتى من شركات محلية تعمل من الباطن خارج نظام الانتاج الرسمي وتعهد هي ذاتها باداء العمل على عمال يعملون في منازلهم، وكان نمو نظم الانتاج العالمي هذا قويا بوجه خاص في الصناعات العالية التكنولوجيا (الالكترونيات وشبه الموصلات، وما اليها) وفيما يتعلق ببعض السلع الاستهلاكية التي تتطلب كثافة عالية في الايدي العاملة مثل (صناعات النسيج، والملابس، والاحذية) وكان هذا النمو كبيراً ايضا في مجال استحداث البرامجيات ومراكز تقديم الخدمات عن طريق الهاتف، والخامات المالية، ويمكن ان تصادف في هذا الصدد اوضاع متباينة.

فالقطع والمكونات تنتج من جانب فروع للشركات المتعددة الجنسية تقع في البلدان النامية، اما معظم انشطة البحوث والتطوير والمهام الاخرى التي تستدعي تكنولوجيات متطورة فتظل في البلدان الصناعية وتعمل الصناعات العالية التكنولوجيا وفق هذا النموذج، وقد شهدت أسرع معدل نمو وهي تمثل الآن اهم مصدر مفرد لصادرات المنتجات المصنعة في البلدان النامية.

في صناعة السلع الاستهلاكية التي تتطلب عمالة كثيفة، تقوم الشركات المتعددة الجنسية بتصميم المنتج وتحديد نوعيته ثم تعهد بانتاجه الى شركات محلية في البلدان النامية، كما تقوم بمراقبة الجودة ومهل الانتاج، وهكذا نشأ على صعيد الكوكب نظام انتاج قائم على «التدفق المحكم».

وفي حالات اخرى، يظل الانتاج المحلي غير المرتبط بدوائر دولية مستمرا، ولكن دون ان نعرف افاق قدرته على ضمان نوعية حياة افضل للسكان المحليين.

وإزاء عمليات العولمة، تواجه الاطراف التي تؤثر على العمليات التعليمية تحديا لا مفر من مواجهته واختبارات حاسمة فيما يتعلق بتدريب الشباب ويتمثل هذا التحدي في استحداث القدرات وتطوير المعارف بغية تعزيز الانتاجية البشرية.

 

احتياجات الشباب

ولكن النزاعات تظل مستمرة في هذه الاثناء بلا هوادة، فقد كان هناك في الفترة الممتدة بين عام 1990 وعام 2001 سبعة وخمسون نزاعا مسلحا في 45 مكانا في العالم وما برح العنف والرغبة في الهروب ينتشران بصورة متزايدة داخل المجتمعات، وحل الحاضر وحده، بوصفه اطارا زمنيا لنشاط البشر، محل مرجعية الماضي الذي تتمسك به المجتمعات التقليدية ومحل مرجعية المستقبل الذي تتمسك به المجتمعات الحديثة واصبحنا نصادف اكثر فاكثر، جماعات من الشباب لا يولون اهمية كبيرة لحياتهم ولمستقبلهم جنبا الى جنب مع جماعات تسعى الى تقليص اوجه التفاوت وحماية وتعزيز التنوع الثقافي دون الركون الى نماذج مسبقه واضحى بعض الشباب مهيئين، بسبب قوة ظروفهم الاجتماعية او الاضطراب الناشئ عن انعدام الامل، للانخراط في الحروب الداخلية والاشكال الجديدة من الارهاب العالمي.

وفي هذا الاطار اصبح العالم يشهد اكثر من اي وقت مضى صدامات بين الثقافات، ومحاولات لاستيعاب الحداثة واعادة تفسيرها، كما يشهد في الوقت نفسه رفضا صارخا وعنيفا لهذه الحداثة نتيجة لما تستتبعه بالضرورة ايضا من تنازلات وتحولات وتكيفات وانقطاعات ولئن كان بالوسع ملاحظة اتجاهات معينة للتنميط في كل ارجاء المعمورة، فمن المؤكد بنفس القدر ان المستقبل سينتج اشكالا متعددة من النهجين الثقافي وصورا متنوعة من التألف والتفاعل بين الثقافات والحضارات من جهة، وبينها وبين الحداثة من جهة اخرى، ولاشك في ان هذه العملية تنطوي على مخاطر كبيرة اذ لا يمكن لاحد، للاسف الشديد، ان يضمن الا تجلب الحداثة التي تكتسي طابع العولمة، او العولمة التي تكتسي طابع الحداثة، للعالم الحروب والاهوال التي اقترن بها تاريخ القرن العشرين.

ان الاضطراب العظيم الراهن يدفع حتى الى التساؤل عن مغزى التعليم النظامي للشباب وقيمته بوصفه وسيلة للالتحاق بعالم العمل والمساهمة في التنمية المستدامة، ولتحقيق التماسك الاجتماعي وبناء السلام، بل يتساءل بعض الباحثين عما اذا كانت الجهود المالية والتنظيمية والاسرية المبذولة لتعميم الانتفاع بالتعليم المدرسي بصورته الحالية، ولاسيما التعليم بعد الابتدائي، تستحق الغناء ويظل تعلم الرغبة في العيش معا، وبوجه خاص، مقترنا بصعوبات كبيرة ويتزايد انتشار العنف البدني في المدارس، حتى في صفوف الفتيات وفي ظروف متنوعة للغاية وينبغي التساؤل عما اذا كانت هذه الظاهرة لا تعد في حالات معينة ردا على تعليم يبدو للنشء والشباب بعيدا كل البعد عما لديهم من احتياجات، من جهة، وبعيدا عن ان يضمن لهم مكانا في اكثر القطاعات دينامية في الاقتصاد العالمي والاقتصادات المحلية، من جهة اخرى، وفي كثير من الاحيان يبدو التعليم، وخاصة في اكثر المناطق فقرا، بعيدا كل البعد عن توفير الامكانيات التي يمكن الارتكاز عليها لتحقيق التنمية المحلية والتكامل العالمي.

ان الحد من الاثار المجحفة المترتبة على العولمة، يتطلب، فيما يبدو، امتلاك قدرات جديدة الى جانب القديمة، وتشاطر المضامين والقيم المشتركة كالتضامن واحترام حقوق الانسان والتنوع، والرغبة في العيش معا.

ولكن كيف يمكن الانتقال من التعريف البلاغي للمضامين والقيم الى تعريف عملي بوجه العمل السياسي التربوي، والحياة في المؤسسات المدرسية، وتطويع المناهج الدراسية؟

 

بناء هوية الشباب

ان نوعية تعليم الشباب مرتهن بنوعية تعليم الاطفال وتمثل القدرة على التعلم والدوافع من اجل التعليم واكتساب القدرة على التعلم المستقل، والبحث عن المعلومات واستخدامها، والاستيعاب الجيد للمعارف الاساسية، واتخاذ موقف التسامح والاحترام ازاء الاخرين، بعض الاهداف المنشودة من تعليم الاطفال في الاسر والمدارس والمجتمعات المحلية، غير ان تعليم الاطفال يمكن ان يوفر، بعد المرحلة الابتدائية، فرصة ثانية ليس فقط لتعلم المزيد من المعارف ولكن ايضا لتعلم بصورة افضل او لتعلمها مجددا او لتعلمها بطريقة مختلفة.

ويتسم تعليم الشباب بعدة خصائص متميزة فالى جانب التدريب اللازم لتحقيق الاندماج الاقتصادي والتماسك الاجتماعي والسلام تطرح في هذا السن مسألة بناء الهوية طرحا قويا بوجه خاص وفي اطار جديد.

ويمكن وصف الفئة العمرية من 12 إلى 20/18 سنة بانها فترة انتقالية طويلة نسبيا يمتد ما بين مرحلة الطفولة، المرادفة للتبعية، ومرحلة الرشد، المفترض ان تكون هي ايضا بالنسبة للنشء أو الشباب مرحلة النضوج واكتمال التنشئة الاجتماعية وتأكيد الهوية والشخصية المتميزة، ورغم اننا نصادف بعض السمات المشتركة لدى الشباب جميعا، فانهم لا يندرجون في فئة واحدة بل يتوزعون على فئات شتى تفصل بينها ظروف معيشية متنوعة، فهم يعارضون الكبار بشكل فطري، ولكنهم يعارضون بعضهم بعضا ايضا بحسب الوسط الذي يسعون الى التحرر منه او الذي يصبون الى الاندماج فيه.

ومن خلال وسائل الاعلام بوجه خاص اصبحت مختلف المجتمعات والثقافات البشرية اوضح صورة واقوى حضورا بالنسبة لبعضها بعضا وفي سياق مكاني زماني يتزايد اتساعه وتقلصه في ان واحد، باتت الاحداث النائية في الظاهر تروج انباؤها المحلية والوطنية والاقليمية ويؤدي تقلص القيود المكانية وادراك العالم كوحدة واحدة الى اضفاء قدر من النسبية على الركائز المرجعية الفردية والاثنية والعرقية والوطنية، وفي الوقت الذي مازال فيه نظام المجتمعات الوطنية قائما تنامى ايضا الوعي كما يعبر عن ذلك اعلان حقوق الانسان، وبوصفها جماعية تتشاطر نفس المصير كما يعبر عن ذلك الوصف الايكولوجي المجازي للمعمورة بانها سفينة فضاء البشرية ويرتكز هذا الوعي على استحداث العديد من المنظمات غير الحكومية والحركات الانسانية المناهضة للعولمة والداعية الى عولمة بديلة، ويعبر عن نفسه من خلالها وهكذا تتبلور ملامح مجتمع مدني عالمي يعتمد على شبكات متداخلة ومتراكبة وبعد حليفا موضوعيا لنظام المجتمعات.

وفي خضم هذه العملية، تتسع علاقة الفرد مع المجتمع الوطني والبشرية، وتزداد تعقدا، ويؤدي هذا التطور بدوره الى انتشار النزعة النسبية والى اعادة تشكل الركائز المرجعية التي تكونت على اساسها الهويات وانماط الولاء وعناصر المواطنة، والتي تواجهها بطريقة محددة جميع اشكال العمل التربوي ولاسيما المؤسسات المدرسية في كل بلد.

كيف يبني الشباب هويتهم اليوم؟ وما هو دور التعليم في هذه العملية؟ وهل ترتبط هوية الشباب بمشروعات مستقبلية تشتمل على العمل والحياة الاسرية والمشاركة في اوجه الشبه والاختلاف بتنوع صور التعليم او بعمليات اخرى؟

وتفيد بعض الدراسات الاجتماعية ان الشباب يتجهون اكثر واكثر نحو ثقافة الاستهلاك وتبني انماط من الحياة وافدة من خارج الحدود الوطنية ويساهم ذلك في جعلهم منفتحين على العالم، ولكنه يؤدي في الوقت ذاته الى فصلهم عن تراثهم وثقافتهم التقليديين، وفقدان الاتجاه هذا فيما يخص الجذور التاريخية ينطوي على خط الانفجار في مناطق عديدة في العالم، وهكذا فان استخدام اللغة الانجليزية بصورة متزايدة كلغة عالمية ييسر الاتصال في جميع انحاء العالم ولكنه يمكن ان يساهم ايضا في تهميش اللغات المحلية لدى الشباب، وعليه، فان احد التحديات الرئيسية للتعليم للجميع يتمثل في تنمية القدرات الفردية، وامكانيات الاختيار وفي حالة الشباب، ترتبط التنمية هذه القدرات والامكانيات ارتباطا وثيقا بتعزيز هوية كل شاب وشابه، علما بان جانبا كبيرا من عملية بناء هذه الهوية يحدث خارج نطاق المؤسسات التربوية.

هل ينبغي احترام هذه العمليات ام هل يتعين استحداث ثقافة مدرسية مضادة لبعض الاتجاهات كالتمسك في المقام الاول بالحاضر والولع بالاستهلاك، والتي تمثل ردود فعل ازاء عدم وضوح الافاق؟ وما هو تأثير عرض صورحالمة عن العالم المتقدم لدى جماهير الشباب في جميع ارجاء العالم؟

هل تؤكد عناصر تجريبية الفرضيات المتعلقة بخصائص شباب العالم في مجموعة وشباب كل منطقة من مناطقه؟ وكيف يتم اعداد النشء الذين يتطلعون الى الحصول على تعليم جيد؟

وما هي امكانيات وحدود تعليم الشباب في بناء هويتهم؟ وما هي المضامين والقيم التي تسهم في بناء هوية الشباب، واي هوية؟ وكيف يمكن التوفيق بين التعليم الذي يخدم وحدة المصير على صعيد المعمورة من جهة، وبين تنوع الهويات من جهة اخرى؟ وهل يستطيع التعليم ان يوفر انتفاعا مزدوجا بفرص معرفة التراث الثقافي المحلي وبامكانيات الانفتاح التي باتت متاجحة بفضل العولمة؟

 

التحديث السياسي

عندما انشئت الامم المتحدة في عام 1945 كانت تضم 47 دولة عضوا، اما اليوم فهي تضم نحو مائتي دولة عضو ويتألف معظم الاعضاء الجدد من دول جديدة نشأت اثر انهاء الاستعمار، ومنذ ذلك الحين اصبحت صورة الدولة الوطنية ذات الحدود الواضحة، ثمرة التاريخ السياسي الاوروبي ووليدة الحداثة، تمثل مبدأ التنظيم السياسي الرئيسي على وجه المعمورة ونزعت الدولة الى احتكار عدة مجالات منها حفظ النظام الشرطة والجيش واقامة العدالة الجنائية، والاضطلاع في اغلب الاحيان بضبط وتنظيم تعليم الاشخاص الذين تتراح اعمارهم بين 12 و18 عاما.

والتجسد العملي لنموذج الدولة الحديثة امر لم يستكمل بعد وهو يتخذ صور متنوعة في شتى ارجاء العالم، كما ان انجاز التنظيم المدرسي يتفاوت مستواه تفاوتا شاسعا ولكن تلك المهمة قد اصبحت بالفعل محل اعتراض وجدان في الوقت نفسه العمل الى اراضيها كما تتعرض الدول ومؤسساتها المعنية بالصحة والامن والخدمات الاجتماعية والتعليم لتضعضع مصداقيتها الداخلية وتواجه ازمة ثقة بالديمقراطية، وكل ما يمس الدولة والمؤسسات يمس بالضرورة ايضا تعليم الشباب.

والمجتمعات القومية تتفاوت ايضا تفاوتا هائلا من حيث الثراء والقوة، ولكن ما يتعين التذكير به في هذا المقام هو ان عولمة الدولة والمؤسسات التعليمية وفقا للنمط الغربي قد سبقت او واكبت ظاهرة عولمة الاسواق الحديثة العهد.

واذا كنا نذكر بهذه الحقيقة في هذا المقام فذلك لان من السهل نسبيا نقل مؤسسات وهيئات نظامية من عالم لاخر، لكن اسلوب استخدام تلك المؤسسات والهيئات تصوغه دوما في نهاية المطاف المشاعر والمعتقدات والعادات المستقرة في قلوب وعقول الرجال والنساء الذين يلتحقون او ينتفعون بها ولما كانت هذه العملية لم تستكمل بعد، وجب التساؤل اليوم عما اذا كانت سياسة التحديث او التنمية قد راعت بقدر كاف هذا البعد الذي يتعلق بالمواجهة الثقافية، والفجوات الشديدة التباين التي يمكن ان تفصل شرائح سكانية مختلفة عن المظاهر الرئيسية للحداثة، وكذلك نموذج الدولة الحديثة ومؤسساتها التعليمية.

تتوافق الاراء على الصعيد العالمي حول الدور الاساسي للدولة في مجال التعليم الابتدائي، ولكن هل يجب على الدولة ان تضمن ايضا الالتزام بتعليم الشباب الذين تتراوح اعمارهم بين 12 و18 عاما؟ وتحقيقا لاي غرض؟ وهل لاتزال الدول القومية التي نال منها الضعف ويتعالى عليها الاحتجاج قادرة على تمويل المؤسسات التعليمية اللازمة للشباب جميعاً؟

والى جانب هذه الاسئلة، هل يجب ان يكون التعليم الذي يقدم للشباب اليوم في جميع انحاء العالم مماثلا للتعليم الذي ابتكر في الغرب منذ عدة قرون: بما يضمه من مدارس اعدادية وثانوية ومدارس تقنية ومهنية؟ وما هي البدائل؟

 

العولمة والتنمية المستدامة

تتجلى العولمة ايضا، في اعين معظم المراقبين، في الانتشار السريع للاوبئة، وفي النفاد المتسارع نسبيا لثروات مثل المياه كنا نتصور انها موارد غير محدودة، وفي التغيرات التي تعتري التوازن الايكولوجي ومنذ مؤتمر الامم المتحدة المعني بالبيئة الذي عقد في عام 1972، لفت العلماء انظار المجتمع الدولي الى هشاشة بيئتنا ونظم الموارد الطبيعية لكوكبنا، ومنذ ذلك الحين عكف المجتمع الدولي على البحث عن توازن صعب بين صون البيئة من جهة وبين التنمية الاقتصادية من جهة اخرى، ولا توجد اليوم جوانب تذكر من البيئة الطبيعية التي تحيط بنا لم يمسها التدخل البشري، وحلت المخاطر التي يتسبب فيها الانسان محل المخاطر، الخارجية التي تتسبب فيها الطبيعة «المخاطر التقليدية» واصبحت خشيتنا اليوم من الطبيعة اقل من خشيتنا مما فعلته ايدينا، واضح علينا ان نواجه، فغي مجالات مثل الموارد الطبيعية الماء والهواء والارض، أو التغيرات المناخية، أو الصحة فيروس مرض الايدز السيدا مخاطر تشكل جزءا من حياتنا اليومية، وهذه المخاطر الناجمة عن تصرفات الانسان تلقى مسؤوليات جديدة على عاتق الافراد، والحكومات، التي يتعين عليها ان تجد اشكالا جديدة للتعاون لان معظم المشكلات يتعذر حلها داخل الحدود الوطنية وتنشئ علاقات اشد فعالية وحيوية مع العلم والتكنولوجيات.

وتتفاقم المخاطر البينية من جراء الزيادة الصافية في أوجه عدم المساواة، فيما بين البلدان وداخل كل منها فمتوسط الدخل في أغنى 20 بلداً يفوق اليوم 37 مرة متوسط الدخل في أفقر 20 بلداً، وقد تضاعفت هذه النسبة خلال السنوات الأربعين الأخيرة، خاصة بسبب قصور النمو في البلدان الأشد فقراً، ويسهم فقر شريحة واسعة من سكان الكوكب في تدهور البيئة، فقد انخفضت بين عام 1990 وعام 1999 نسبة الأشخاص الذين لايعيشون إلا بدولار واحد في اليوم انخفاضا بسيطا في بعض مناطق العالم، وارتفعت في مناطق أخرى، وهناك خطر كبير بأن يستمر، على الصعيد العالمي وجود مجتمع الـ «20%» أي المجتمع الذي يسيطر عليه 20% من السكان اصحاب الامتيازات، وهؤلاء يستهلكون في الوقت الحاضر 80% من الموارد.

والتنمية المستدامة وبناء السلام هما التحديان الرئيسيان اللذان يتوقف عليهما رفاه الأشخاص والشعوب في حاضر ومستقبل العالم الراهن، وكما يتسنى تحقيق هذين الهدفين في عصر العولمة بعد بناء التلاحم الاجتماعي والحد من أوجه عدم المساواة داخل كل بلد وفي ما بين بلدان العالم ومناطقه غايتين استراتيجيتين حاسمتين، واذا كان التعليم، أيا كان حجم الاستثمار المالي والاجتماعي والعلمي والتربوي الذي يوظفه فيه كل بلد، لايستطيع ان يتصدى وحده لهذه المشكلات فإن السياسات العامة المترابطة والمنسقة لن تنجح في تصحيح الاختلالات الكبرى القائمة في كل مجتمع وكل منطقة إلا بابلاء الأولوية للتعليم هو المورد البشري والاجتماعي القادر على أن يغير بطريقة مستدامة وجه كل بلد ووجه العالم والبلدان التي حققت عملية تنمية فريدة «ونموذجية» قد راهنت جميعها فيما يبدو على التعليم.

ويؤكد تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بشأن التنمية البشرية لعام 2003 على ان التنمية المستدامة لا يمكن اختزالها في البعدين الاقتصادي والسياسي، بل يجب كذلك مراعاة الأبعاد الثقافية والاجتماعية والايكولوجية والإنسانية والروحية، مما يجعل دور التعليم حاسماً بقدر أكبر، ويعد الحد من الفقر والقضاء على الجوع وتوفير التعليم للجميع وزيادة المستويات التعليمية للشباب وتعزيز المساواة بين الجنسين، بعض الأهداف التي تتيح في رأي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي المضي صوب تحقيق أشكال من التنمية المستدامة. كما اعتبر تقرير منتدى الشباب الذي عقد على هامش المؤتمر العام لليونسكو في سنة 2003، من جهته ان التعليم من أجل التنمية المستدامة ومكافحة فيروس مرض الايدز «السيدا» من أهم التحديات الكبرى التي تواجه الشباب على الصعد العالمي والتي تستلزم مشاركتهم المباشرة.

إزاء التغيرات الاجتماعية التي تستجد على الصعيد العالمي، وإزاء التحديات الجديدة التي يواجهها مجتمع «المجازفة» إلا يُعد التعليم الثانوي مطلوباً بوجه خاص نظراً للاسهامات التي يمكن ان يقدمها في التدريب اللازم للعمل «وليس فقط لاكتساب المعارف، أو الحصول على الشهادات أو الجوانب الأخرى الأكثر اتساماً بالطابع النظامي»؟ وإزاء ضخامة التحديات وتعقيدها وأهميتها الحيوية لمستقبل العالم، وانعكاساتها على الحياة اليومية ألا تستلزم مواجهتها في المقام الأول، بناء الكفاءات اللازمة للعمل ولتحمل المسؤولية المتسمة بروح «المواطنة» الحقة؟ وما هي هذه الكفاءات؟ وما هي علاقاتها مع معارف تتبدل بوتيرة متسارعة؟ ومع أي من هذه المعارف؟

ملامح من المؤتمر الدولي للتربية (2)

كان المؤتمر الدولي للتربية في دورته السابعة والأربعين برعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة تحت شعار «تأمين التعليم الجيد لكل الشباب» التحديات والاتجاهات والأولويات» والذي عقد في جنيف بسويسراً في الفترة من 11-8 سبتمبر الجاري كان أكثر من مجرد تجمع دولي وأشبه ما يكون بمنتدى فكري اكاديمي زاخر من الافكار الجديدة والآراء المتنوعة والمناقشات المثيرة وعلى امتداد اربعة ايام قامت حوالي اكثر من 135 دولة بمناقشة الاستراتيجيات والاستماع بعضها إلى بعض من أجل الوصول الى تعليم جيد لجميع الشباب تحديات وميول واولويات.. وهذا لا يتم الا بالالتزام الدولي من قبل المعنيين بالتربية. وقد رأينا ان يكون هذا التقرير على صورته المنشورة حتى يصل الى القارئ المهتم دون تدخل منا إلا ما دعت إليه الضرورة. وهذا القسم الثاني.. ويتناول الاتجاهات في مجال التعليم ونوعية التعليم الموفر للشباب.

 

1- الاهتمام بالنوعية

يرتبط الاتجاه الأول بالأهمية التي اكتسبتها القضايا المتعلقة بنوعية التعليم الموفر لجميع الشباب ذلك ان ضمان فرص الانتفاع بالتعليم النظامي لجميع الشباب لم يعد كافيا بالفعل، بل هناك بعض الافكار الاستفزازية التي تشكك في جدوى توسيع نطاق التعليم النظامي كوسيلة ملائمة لتأمين تعليم جيد لجميع الشباب إذا لم نتمكن من تغيير خصائص الخيارات التعليمية المتاحة اليوم للمراهقين والشباب، الذين تتراوح اعمارهم بين 12 و20/18 سنة.

ان مفهوم النوعية هو في جوهره مفهوم متعدد الابعاد فهو يرتبط بالنتائج، من جهة ويتوقف من جهة اخرى على الاهداف والعناصر التي تؤدي دوراً في احراز هذه النتائج وقد تقرر ان يتم في اطار الدورة السابعة والأربعين للمؤتمر الدولي للتربية تسليط الاضواء بوجه خاص على نتيجتين وعلى هدف واحد، وعلى بعض العناصر التي تؤثر على ارساء نظام لتوفير تعليم جيد لجميع الشباب، وقد نظمت حلقات العمل الموضوعية الاربع حول هذه المسائل المعروضة في الوثيقة المساعدة على ادارة نقاشات حلقات العمل.

وتتناول حلقة العمل 1 مسألة نوعية التعليم الموفر للمراهقين والشباب التي يجب تقييمها بحسب قدرة هذا التعليم على ضمان المساواة بين الجنسين، ولاسيما على تمكين الفتيات من الالتحاق بالتعليم الثانوي فثمة اماكن كثيرة من العالم تتزوج فيها الشابات في سن مبكرة ويشعرن بالتالي بانهن مرغمات على الانقطاع عن الدراسة، وفي اماكن اخرى، مازال التعليم يحافظ على الافكار والقوالب النمطية، في حين ان توافر تعليم ثانوي جيد يتوافق مع الاحتياجات التعليمية للشباب وللمجتمع، يسهم في تكوين صورة ايجابية عن الذات، وفي تحقيق الاندماج الاجتماعي ويدعم التنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للبلد.

أما موضوع حلقة العمل الثالثة فهو تكوين مهارات لمدى الحياة، ففي عالم تتجدد فيه المهارات والتكنولوجيات بسرعة متزايدة ويفرض مراعاة احتياجات الشباب كأساس لتعليمهم، هناك الى حد ما اتفاق في الآراء حول وجود تحد ذي طابع عملي للغاية وهو: تحديد المهارات اللازمة مدى الحياة واكتسابها بواسطة التعليم، ولايقتصر الامر على المهارات اللازمة للحياة اليومية، على المستوى المحلي او في وقت محدد بل ان المطلوب هو تحديد مهارات لمدى الحياة تمكن الشباب من الاندماج في المجتمع المحلي الذي يعيشون فيه او في اماكن اخرى أو بلدان اخرى. بيد انه لا يمكن تكوين المهارات بدون مضامين ملائمة ومستوفاة، وبدون تغيير المناهج الدراسية وغيرها من المواد التعليمية، وبدون تغيير البنى والبيئة المؤسسية والعقليات وقدرات الاطراف الفاعلة في مجال التعليم على تحقيق رؤية جديدة لتعليم الشباب.

وتنطوي العمليات التربوية على ابعاد ذاتية وخارجية اخرى تؤثر على نوعية تعليم الشباب منها مثلاً: القيمة المسندة للتعليم في المجتمع المحلي وفي الحياة السياسية في مختلف السياقات، والتقاليد الخاصة بكل ثقافة، ومدى التعاون مع الأسر، ووسائط الاعلام، وتوافر فرص الارتقاء الاجتماعي وتحسين نوعية الحياة بواسطة التعليم، ومدى اقبال الشباب على التعلم، والحالة الأمنية والاقتصادية السائدة في كل بلد من حيث ما اذا كانت حالة سلام ام حالة نزاع، او حالة نمو اقتصادي ام ازمة اقتصادية، وثمة حالات، يمكن فيها لقطاع التربية ان يضمن بعض الظروف الملائمة لتأمين تعليم جيد لجميع الشباب، بينما هناك حالات اخرى، لا يستطيع فيها قطاع التربية وحده ان يقوم بذلك بدون توافر الحد الادنى من الظروف المواتية.

2- مراعاة الاحتياجات التربوية كعامل مشجع على التغيير

إن فكرة «قلب المنظور» التي كانت احدى الرسائل الرئيسية التي تمخض عنها مؤتمر جومتيين في عام 1990، من أجل تصميم تعليم اساسي قائم على الاحتياجات التربوية ولا يخضع فقط لشروط العرض او حتى الطلب، هي فكرة تمثل اتجاها قوياً اخر في مسار تطور الجهود المبذولة لتأمين التعليم لجميع الشباب في العالم.

والواقع ان الاصلاحات التربوية التي اجريت في العقود الاخيرة من القرن العشرين كانت تركز اساسا على التعليم الثانوي او المهني، ومع ان هذين الشكلين من التعليم لايزالان يتسمان باهمية بالغة ولابد من التفكير في تحسينهما، فان الرؤية التي ترتكز على العرض لم تسمح بإيجاد حلول كافية في الاماكن التي تم فيها تعميم التعليم الثانوي، او باقتراح حلول بديلة في الاماكن التي ينهى فيها عدد متزايد من الشباب فترة التعليم الاساسي او التعليم الابتدائي الذي يدوم 6 سنوات.

وتمثلت معظم الاصلاحات المنبثقة عن مناهج تركز على العرض، في مد فترة التعليم الالزامي، او في تغيير البنى «عدد سنوات الدراسة في كل مستوى، اختيار وتنظيم المسارات الدراسية، نظم الامتحان والمواد المدرسية، اليات الربط مع الشركات مدى مركزية او لامركزية اتخاذ القرارات، ويبدو ان هذه الاصلاحات لم تنجح ضمن امور اخرى في اعطاء معنى جديد لتعليم المراهقين والشباب، ولا في ايجاد حلول ممكنة لمشكلات الاختيار والتنظيم على صعيد التجارب التربوية، كما انها لم تفض الى حدوث تغيير حقيقي يحظى بتوافق الآراء فيما يتعلق بدور ومؤهلات المعلمين المعنيين بهذه الفئة من العمر، ولم تنجح في ايجاد صيغة مختلفة للاستفادة من التجارب التربوية على مستوى المجتمعات المحلية والعالم.

وتقررت بعض الاصلاحات الاخرى بناء على طلب جماعات اقتصادية او اجتماعية او افراد يملكون قدرة اكبر على التعبير، وفي ظل نهج لتعليم المراهقين والشباب قائم على الاصغاء للطلبات، قد تظل الجماعات الضعيفة في القدرة على المطالبة، معرضة للتهميش.

وبوجه عام، يتضح من بعض العناصر التي اشتملت عليها دراسة حديثة اجراها مكتب التربية الدولي استنادا الى التقارير الوطنية المقدمة من الدول الاعضاء بمناسبة انعقاد الدورة السابقة للمؤتمر الدوري للتربية، أن هناك اتفاقا واسعا فيما يخص تحديد الاهداف العامة للتعليم، حول مفاهيم «النمو الشخصي والوجداني» والمساواة، و«الهوية الوطنية»، والمواطنة» وفرص الحصول على عمل «والديمقراطية» وبالمقارنة بالثمانينات، يلاحظ ان السياسات الوطنية تتجه نحو ايلاء اهمية متزايدة للأهداف ذات الصلة بما يلي: 1 الاعتراف بالتعليم كحق من حقوق الإنسان، و2 زيادة المهارات الفردية والقدرة على الاختيار، و3 تعزيز المجتمع البشري.

وتبين دراسة اخرى اجريت استنادا الى الوثائق المقدمة بمناسبة انعقاد الدورة السادسة والاربعين للمؤتمر الدولي للتربية، انه نادرا ما يشار الى العولمة كأحد الاسباب الرئيسية وراء إصلاح المناهج الدراسية، اما الاسباب الرئيسية التي يرد ذكرها عموما فهي ذات طابع بيداغوجي.

< هل يمكن تأمين تعليم جيد لجميع الشباب بدون فهم عميق لظاهرة العولمة، وآثارها، ونتائجها في الأجلين القصير والطويل ضمن إطار كل سياق من السياقات المختلفة؟

3- رفع مستوى التدريب والقدرة التننافسية

على الرغم من «الواقعية المتشائمة»، التي تظل واجبة عندما ندرس حالة التعليم في العالم، تبين بعض الدراسات ان مستوى التدريب يميل الى الارتفاع بوجه عام اذا قارنا المستوى الذي وصل إليه الجيل الحالي بالمستوى الذي وصل إليه الجيل السابق عليه.

ويعبر الجيل الأصغر سنا «من25 الى 34 سنة» والاكبر سناً من 55 الى 64 سنة عن ظروف التدريب التي كانت سائدة في البلدان المختلفة في حقبتين يفصل بينهما نحو ثلاثين عاما، ومن ثم فإن معظم أفراد الجيل الأصغر سنا يعدون أبناء لأفراد الجيل الأكبر سنا، وقد ولد هؤلاء الأخيرون بين عام 1934 وعام 1943 ووصلوا وفقاً للمعايير الغربية الى سن دخول المرحلة العليا من التعليم الثانوي بين عام 1949 وعام 1958، بعد الحرب العالمية الثانية مباشرة. أما أفراد الجيل الأصغر سنا فقد ولدوا بين عام 1964 وعام 1973، ووصلوا الى سن دخول المرحلة الثانوية بعد الإلزامية بين عام 1979 وعام 1988.

وتوضح هذه البيانات: «1» ان عدد سنوات التعليم يتزايد في جميع البلدان «2» وان التطور يمضي على الأرجح في اتجاه عام يكون فيه الفارق بين الجيلين سريعاً، الى حد ما في البداية ثم يأخذ في التباطؤ الى ان يستقر حول نسبة 90%، «3» وان هناك فروقا شاسعة بين البلدان، وأن البلدان الغنية هي وحدها التي تتجاوز عتبة الـ 60% وهي التي تملك بالتالي ميزة ضخمة على صعيد التنافس داخل الأسواق العالمية لرؤوس الأموال والعمل، نظراً لأن ذلك الاتجاه يتواصل في مرحلة التعليم العالي، فكلما زاد عدد الشباب الذين ينهون التعليم الثانوي زاد عدد من يلتحقون منهم بالتعليم العالي.

< هل ستظل الجهود العملاقة التي بذلت حتى الآن لتوفير التعليم الثانوي النظامي «العام أو المهني» كافية في المستقبل لضمان نوعية التعليم والسماح لبلدان جديدة بأن تلج طريق التنمية بصورة حاسمة؟

وفي هذه الظروف، هل ستسفر اطالة عدد سنوات التعليم عن فارق مهم؟ ولكن اذا اتفقنا على ان نوعية التعليم هي التي تخلق الفارق الكيفي، هل يجب علينا ان نقتصر على تحسين هذه النوعية وحدها من اجل زيادة القدرة التنافسية؟

4- تقييم مكتسبات التعلّم والمقارنة بينها على الصعيد الدولي

إن حرص المسؤولين عن النظم التعليمية على ان تتوافر لهم عملية تقييم موثوق بها لمكتسبات الطلاب يشكل أيضاً اتجاها قويا على المستوى الوطني في المقام الأول، ولكن على مستوى المجتمع الدولي أيضاً.

ولا تتوافر للأسف بيانات يمكن مقارنتها على الصعيد العالمي كي نعرف على وجه الدقة ما اذا كان الشباب الملتحقون بالمدارس قد تعلموا ما ينبغي لهم ان يتعلموه، وذلك كي يتسنى في آن معاً انفاذ الحق في التعليم، وتمكين الشباب من تنمية قدراتهم الشخصية، والمشاركة في الانتاجية العالمية، والإسهام في التنمية المستدامة وفي الحياة المشتركة على ظهر كوكبنا.

بيد أننا نجد بعض المؤشرات الجزئية التي تسمح بالوقوف على عدد من الملاحظات فيما يخص بلدانا معينة، أو مناطق مثل مجمل بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي أو أمريكا اللاتينية، أو بعض الحالات الافريقية.

الملاحظة الأولى هي ان الشباب حتى في البلدان الصناعية الاعضاء في منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي أو في أمريكا اللاتينية لا يحصلون في اطار التعليم الثانوي العام أو التقني أو المهني ما يفترض ان يتعلموه من زاوية الكفاءات اللازمة للقرن الحادي والعشرين، ويظهر برنامج التقييم الدولي للطلاب الذي نفذ أولا في بلدان منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي، ثم وسع نطاقه ليشمل عددا من الدول الأعضاء في اليونسكو تنتمي لمناطق أخرى من العالم، وجود فجوات مهمة لدى الشباب الذين تبلغ اعمارهم 15 عاماً في القراءة والرياضيات والعلوم، حتى في البلدان الشديدة التقدم والتي توظف في التعليم استثمارات كبيرة، ويسهم هذا النوع من الدراسات، من ثم في ايجاد معرفة افضل بنتائج التعليم من جهة، ولكنه يقوى أحيانا، من جهة أخرى الشعور بعدم الرضا إزاء التعليم، وهو الشعور الذي اشرنا إليه في الجزء الأول من هذه الوثيقة.

والملاحظة الثانية هي أنه حتى اذا كان اجتياز التعليم الثانوي العام أو التقني أو المهني أمرا ضروريا للاندماج الاجتماعي، فإن هذا التعليم لايتمكن من تجاوز الفروق القائمة بين الأسر، أو من تخطي المعوقات اللغوية والثقافية المرتبطة بالهجرة في عدد كبير من الحالات، وتبين الدراسات الدولية التي اجريت في اطار برنامج التقييم الدولي للطلاب والبحوث الوطنية وامتحانات القبول في كثير من جامعات العالم، والدراسة الدولية الثالثة للتحصيل في مجال الرياضيات والعلوم، وغيرها من بحوث ان النشء المنتمين الى الأسر الأكثر فقراً وأبناء وبنات المهاجرين يواجهون صعوبات اكثر في اتمام دراساتهم والحصول على نتائج طيبة في مسارات التدريب التي توفر أفضل الفرص للاندماج الاجتماعي.

غير أن الدراسات الحديثة قد ساعدت ايضا على توضيح ان التعليم الثانوي يسهم فيما يبدو، في حالات معينة ومتى توافرت إرادة سياسية تشجع على التغيير في احداث هذا التغيير عندما يرتبط بمطالب يصوغها المجتمع بأسره، ومن ذلك مثلا ان الدراسات عن المعارف المدنية تبين ان الشباب الذين التحقوا بالتعليم الثانوي في بلدان أوروبا الوسطى والشرقية التي تمر بمرحلة انتقالية يملكون في أحيان كثيرة معارف أفضل عن قيم الديمقراطية وقواعدها من أقرانهم في بعض بلدان أوروبا الغربية، كما تبين دراسات اخرى انه متى كان الهدف هو تغيير ظروف حياة الأفراد كان بالوسع احراز تقدم مهم، ومن ذلك مثلا ان التحاق الفتيات بالتعليم الثانوي يسمح لهن في احيان كثيرة ليس باكتساب المعارف فحسب بل بتغيير السلوك وبحماية أنفسهن بصورة أفضل، مثلا إزاء فيروس مرض الإيدز «السيدا» أو بتجنب الزواج أو الحمل المبكر، وبذلك لا تصبح المنافع قاصرة على الفتيات بل يمتد أثرها ليشمل المستوى الجماعي.

< تحاول الدراسة الجديدة لتقييم تحصيل النشء والشباب «وخاصة في عمر 15 أو 16 عاماً» قياس الكفاءات المكتسبة لا المعلومات المتراكمة فحسب، وتطبق هذه الدراسات في سياقات مختلفة، ولكنها تقيم «نتائج» ينبغي ان تكون متماثلة غير ان هذه الدراسات لم تطبق بعد في بلدان العالم الأشد فقراً، فهل ينبغي اجراء الدراسات نفسها للتعرف بشكل أوفى على نوعية تحصيل الشباب الملتحقين بالمدارس؟

وهل يجب تطبيقها ايضاً على الشباب غير الملتحقين بالمدارس؟ وما العمل كي ندرك بصورة أفضل ما هو حقا المستوى التعليمي للشباب في مواجهة التحديات التي تفرضها العولمة ذات الوجه الانساني؟

5- إعادة النظر في الاستثمارات المالية الموظفة في مجال التعليم

تحتل مسألة تكاليف التعليم مركز الصدارة في مناقشات تدور في جميع البلدان وتكون محتدمة احياناً كثيرة ومتناقضة احيانا، فالبعض يرون ان تكاليف التعليم باهظة «للغاية» بينما يرى البعض الآخر ان تلك التكاليف هي خير استثمار طويل الأجل يوظفه أي مجتمع، حتى إن تعذر الوقوف على علاقة سببية أكيدة بين حجم الاستثمارات ونوعية التعليم ـ ذلك ان بعض الدول تحقق مستويات أداء أعلى من غيرها بقدر أقل من التكاليف ـ فإن تأمين نوعية التعليم يتطلب في شتى ارجاء العالم تحمل التكلفة اللازمة، لذلك، ويمكن الاطلاع على عرض يوضح هذه المسألة في الملف الوثائقي «تر/متد/مدت 47/إعلام 1» الذي يستند الى بحوث اجريت في اطار البرنامج الموسع للتقيم الدولي للطلاب، ونشرتها منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي ومعهد اليونسكو للاحصاء.

ونستطيع ان نلاحظ في معظم البلدان اتجاها الى اعادة النظر في الاستثمارات الموظفة في التعليم، وهو اتجاه يتجلى بطرق شتى فهو يمكن ان يتخذ على سبيل المثال صورة خفض لحجم الاستثمارات المخصصة للتعليم في مجمله بدافع من اختيار سياسي مقصود او بضغوط مرتبطة بالضرائب، وقد يتخذ ايضا صورة اعادة النظر في توزيع الاستثمارات بين مختلف قطاعات النظام.

< كيف يمكن تفسر الركود شبه العام للإنفاق على التعليم؟ وما انعكاسات ذلك على تعليم الشباب في سياق عالمي يعطي الانطباع بأنه يفسر المطلب الداعي الى توفير التعليم للجميع على انه مطلب يدعو الى توفير التعليم الابتدائي للأطفال؟ هل يتعلق الأمر باختيار على صعيد السياسة التعليمية يمليه بلوغ مستوى انتقاع كاف بالتعليم يمكننا ان نرضى عنه؟ وفي هذه الحالة كيف سيتسنى تحسين نوعية التعليم، وهي أمر له ثمنه كما نعرف؟

ويمكن ان نطرح ايضاً فرضية أخرى فالتنافس العالمي يضع البلدان وحكوماتها أمام ضرورة مزودجة إذ يجب عليها كي تجتذب رؤوس الأموال وفرص العمل، ان تقوم في آن واحد معاً بتخفيف عبء الضرائب التي تثقل عاتق الشركات والثروات، وبرفع مستوى تعليم الأجيال الجديدة، وتلك الضرورة المزدوجة تفسر جانباً على الأقل من التطور الذي استجد مؤخراً على منافسات سياسات التعليم، فالتعليم والتدريب يحتفظان، فيما يبدو بدرجة عالية من الأولوية السياسية، لكن احتدام المنافسة الضريبية التي تقترن برؤية تقوم على تقليص دور الدولة، تقيد بدورها قدرة الدولة على الفعل، ويفضي ذلك في حالات كثيرة الى تخفيض النفقات العامة ذات الأهمية الحيوية للتعليم والبحوث والتطوير، وكذلك للصحة والضمان الاجتماعي، وخدمات الإرشاد الزراعي ومكافحة الفقر.

< ما السبيل الى الخروج من مأزق تخفيض العبء الضريبي وتحسين نوعية التعليم للجميع مدى الحياة؟ وهل تتوافر حلول وطنية أم هل يتعين علينا ان ننظر في الانتقال إلى مرحلة أكثر دينامية تتسم فيها اهداف واستراتيجيات التعليم للجميع بطابع دولي؟ وهل سنبلغ غايتنا بلدا بلدا ام لن يتسنى لنا بلوغها إلا من خلال استراتيجية دولية؟ وهل تعد هذه الاستراتيجية مسألة ممكنة ومنشودة، ام هل تهدد بالتسبب في افقار ثقافي غير مقبول؟

6- من السيادة الوطنية إلى آليات دولية جديدة للحكم

حطمت عولمة الاقتصاد احدى ركائز البنية الناظمة لمجتمعات القرن العشرين، وهي الركيزة المتمثلة في التطابق التقليدي بين مجال اقتصاد السوق ومجال الديمقراطية اي المجال السياسي، وقد اتاح هذا التطابق للعمليات السياسية بان تضبط الى حد ما انعكاسات الرأسمالية على تكافؤ الفرص والتلاحم الاجتماعي داخل الدول القومية، بما يشمله ذلك من توسيع وتعريف نوعية التعليم بوجه عام وتعليم الشباب بوجه خاص.

اما اليوم فان القوى الاقتصادية تمارس تأثيرها على صعيد الكوكب في حين تظل السياسة، ولاسيما الديمقراطية محصورة اساسا داخل الحدود الوطنية، الا ان ميدان السياسات التعليمية تظهر فيه اكثر فاكثر حركات دولية اقوى تماسكا واشد تبنيا لنهج التدخل الارادي المقصود.

فمن جهة نشأ نظام عالمي، تجسده الامم المتحدة بوجه خاص ويتجلى في طائفة من البرامج والوكالات والمؤسسات المتخصصة مثل منظمة العمل الدولية، ومنظمة الصحة العالمية، واليونسكو، والبنك الدولي، وما الى ذلك، هذا النظام القائم على التفاوض والتشاور والتعاون التنافسي بين الدول يعبر بطبيعة الحال عن التفاوتات الكبرى بين مصادر القوة في العالم، ولكنه يعبر ايضا عن امل الكثيرين في شكل من حكومة عالمية قادرة على ضبط عواقب اقتصاد السوق الحرة التي تلحق احيانا اضرارا شديدة بالتنمية المنصفة لجميع البلدان وللتماسك الاجتماعي على صعيد الكوكب.

وتمارس ضغوط تدفع الحكومات الوطنية والسلطات العامة الى مواصلة القيام بدور فعال في تنظيم تعليم النشء والشباب، اي في تحديد المعايير ونظم المتابعة، ولا يشكك احد بوجه عام في دور الحكومات في تحديد غايات واهداف التعليم الجيد لجميع الشباب ولكن تتواصل مناقشات اولية وتتباين الاراء حول الطريقة التي ينبغي ان تحدد بها الحكومات غايات واهداف هذا التعليم.

< هل ينبغي ان نواصل القيام بذلك، كل من جهته، كما كان الحال في عصر الدول القومية بحدودها القاطعة ام يجب علينا ان نقوم به بصورة اكثر اتساما بالطابع التعاوني؟ وهل يمكن تحديد معايير عالمية للمكتسبات او المهارات المنشودة؟ وهل من المتصور، في المقابل، وهل من المناسب كذلك سياسيا واجتماعيا لعولمة ذات وجه انساني ان تحدد المهارات لمجموعات او فئات مختلفة من البلدان (متقدمة)/ نامية، غنية/ فقيرة، وما الى ذلك؟

وهل يمكن ان نقيم المكتسبات بالقياس الى مفاهيم ومرجعيات عالمية تميز نوعية التعليم لجميع النشء والشباب؟ وهل هذا امر منشود؟ وازاء التحديات العالمية المتمثلة في الفقر، او الاضرار المحيقة بالبيئة، أو التلاحم الاجتماعي، أو بناء السلام، هل من المعقول التفكير في امكانية مواجهتها بصورة فردية؟

وعلى صعيد اوسع نطاقا، هل من الضروري والمنشود التفكير في آليات دولية لادارة التعليم.

وما هي خصوصيات هذه المسائل فيما يتعلق بالتعليم قبل المهني او المهني في عالم يمضي بسرعات متعددة، ولكنه يشهد انتقالات متزايدة للسكان، بحثا عن فرص العمل او استجابة لطلب قوى عاملة وافدة من اماكن اخرى؟

ملامح من المؤتمر الدولي للتربية «3-3»

كان المؤتمر الدولي للتربية في دورته السابعة والأربعين برعاية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة تحت شعار «تأمين التعليم الجيد لكل الشباب» التحديات والاتجاهات والأولويات الذي عقد في جنيف بسويسرا في الفترة من 11-8 سبتمبر، كان أكثر من مجرد تجمع دولي فقد كان أشبه ما يكون بمنتدى فكري-أكاديمي زاخر بالأفكار الجديدة، والآراء المتنوعة والمناقشات المثيرة وعلى امتداد أربعة أيام قام حوالي أكثر من 1000 مشارك يمثلون أكثر من 135 دولة بمناقشة الاستراتيجيات والاستماع إلى بعضهم البعض من أجل الوصول إلى تعليم جيد لجميع الشباب من تحديات وميول وأولويات وهذا لايتم إلا بالالتزام الدولي من قبل المعنيين بالتربية.

وهذا هو القسم الثالث والأخير من التقرير ويتناول ستة اقتراحات لأولويات العمل وقد أعطت الدول المشاركة الفرصة لمناقشة عدد من الاستراتيجيات لتوفير تعليم جيد للشباب على كل من المستوى الوطني والإقليمي والعالمي ويقترح هذا القسم من التقرير عدة محاور عمل ذات أولوية كفيلة بأن تسهم في بلوغ الأهداف.

 

 

الاحتياجات الأساسية لتعليم الشباب

إن تعليم جميع الشباب ليس مجرد هدف يرجى بل هو استراتيجية لتنمية القدرات الشخصية للجميع ذكورا وإناثا، واستراتيجية للتنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية في الأجلين القصير والطويل، تنمية تتصف بالاستدامة وتشمل الكوكب بأسره، وبغير توفير التعليم المناسب لجميع الشباب، فإن الجهود المبذولة لتأمين التعليم لجميع الأطفال قد تضيع سدى أو قد لا تنتج ثمارا تذكر، وتعليم الشباب هو الذي يوفر الصلة بين تعليم الأطفال والتنمية العلمية والتكنولوجية والاقتصادية من جهة، وبين أسلوب الحكم في كل بلد وفي العالم ككل، من جهة أخرى.

ويعيش النشء الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و18 و20 عاما موزعين بين طموح يصبون من خلاله الى تنمية قدراتهم الشخصية وتحقيق الاندماج الاجتماعي، وقلق يكابدونه خشية ألا ينجحوا في مسعاهم هذا، وهم يتطلعون إلى المضي في بناء هويتهم كأفراد مستقلين وشرفاء، وكعاملين مجتهدين، وكمواطنين كاملي الصلاحيات وكأعمدة ترتكز عليها أسرهم، ويعطي عديد من الناشئين الانطباع بأنهم يرفضون بعض قيم ومعارف مجتمعات الكبار ومؤسساتهم، بل وقد تكون لديهم في هذا الصدد أسباب وجيهة، أما الكبار فيبدو أنهم لايعرفون الشباب معرفة تكفي كي يقفوا على الصلات بين احتياجات هؤلاء الشباب، والتحديات الاجتماعية والمعارف والدرايات المتاحة في مجتمع الكبار.

ولاتتمكن منشآت التعليم الثانوي العام أحيانا من اجتذاب انتباه الشباب إلى بعض مجالات النشاط البشري المهمة لمستقبل الكوكب، مثل علوم الحياة والأرض، أو الفيزياء، أو غيرها من المضامين التي تسهم في تكوين دقة التفكير والقدرة على التجريد وعلى حل المشكلات الجديدة، كما أنها ترفض أحيانا الرجوع إلى خبرة الماضي أو إلى عبرة التاريخ أو الانفتاح على العالم، وتنطوي هذه الحالة على مخاطر جسيمة بالنسبة للنسيج الاجتماعي.

وتدور مناقشات عديدة لمعرفة ما إذا كان التعليم الذي لايستهدف إلا تلقين القراءة والكتابة والحساب والمهارات اللازمة للحياة اليومية يمكن أن يعتبر تعليما جيدا لجميع الشباب، ففي بلدان العالم الصناعي التي يقوم اقتصادها على المعارف، يوجد ميل متزايد الى تعريف تعليم الشباب على أنه أساسا تعليم يركز على تنمية القدرات على التجريد، وعلى اكتساب أساليب التفكير والعمل «تعلم التعلم» غير أن التعليم الجيد يشمل أيضا عناصر أخرى ذات طابع كيفي وشمولي أوضح، وهذا التصور لايتعارض مع التعليم الموجه نحو تلقين المهارات الأساسية «القراءة والكتابة والحساب ومهارات الحياة اليومية» بل هو يتكامل مع ذلك النوع من التعليم، وهو تصور يساعد على تحقيق الاندماج بقدر نجاحه في تلبية الاحتياجات التعليمية للدارس، وهو يعلي من شأن الخبرات المختلفة التي يحصلها الناشئون، كما يراجَعُ مضمونه على ضوء التغيرات الحادثة في العالم، وهو يستعين بالأحداث المعاصرة فيقيم صلة بينها وبين المواد الدراسية «الكيمياء والفيزياء والجغرافيا وغيرها» والمعلمون الذين يوفرونه معلمون مدربون وقادرون على استخدام الأساليب التي تتخذ من الطالب محورا لها، ويجب على البيئة المادية والفكرية أن توفر الأمن للمتعلمين، وفي هذا الصدد يعد العنف في المنشآت التعليمية الثانوية وتفشي فيروس مرض الإيدز «السيدا» مسألتين مهمتين بوجه خاص يتعين أخذهما في الاعتبار، بالإضافة إلى ذلك يتطلب التعليم الجيد إنشاء نظام إداري وتنظيمي فعال، واتباع أفضل الممارسات وتأمين الإطار التشريعي الملائم، وتوفير الموارد الكافية.

ولكن لايبدو من الواضح بقدر كاف حتى الآن كيف يمكن توسيع وتجسيد الرؤية الخاصة بالتعليم الجيد لجميع الشباب دون العودة إلى النماذج النظامية التي استحدثت لعصور سابقة أو لعصور تم تجاوزها، ويؤكد ذلك أهمية المناقشات التي ستدور في الدورة السابعة والأربعين للمؤتمر الدولي للتربية، غير أن هذه المناقشات ينبغي ان تستند إلى تصور سليم لاحتياجات النشء والشباب ومن المهم بالتالي، استهلال بحوث تسلط الضوء على الاحتياجات التعليمية لجميع الشباب في كل بلدان العالم وصولا إلى تحقيق العولمة ذات الوجه الإنساني والتنمية المستديمة.

 

إعادة التفكير في سبل إدارة التغيير

يجري إعادة النظر في جميع أنحاء العالم في تعريف المؤسسات المعنية بتدريب النشء والشباب، ولكن إذا كان تغيير المضامين التعليمية والأساليب التربوية والحياة المدرسية ومهارات المدربين ضرورة لا جدال فيها، فقد يكون من الصعب تحديد وجهة هذه التغييرات إن لم يتم في ذات الوقت إعادة ابتكار تعليم النشء والشباب، إن بلدان الشمال والجنوب تتناول مستقبل المؤسسة المدرسية في ظروف تختلف فيما بينها اختلافا جذريا لأسباب تتعلق بعدم تكافؤ الموارد وكذلك لأسباب ثقافية، فالبلدان الغربية تتعامل مع تراث شكله تاريخها الذي «تطورت» في مجراه على نحو مترابط العناصر البنيوية والثقافية المختلفة للحداثة التي تصوغ المؤسسة المدرسية.

أما المجتمعات الأخرى فقد اكتفت في البداية في كثير من الأحيان، لدى بناء مؤسستها المدرسية، بنقل النماذج الغربية كما هي، غير انها سرعان ما واجهت، علاوة على التكاليف الرادعة في أحيان كثيرة، التباينات الثقافية والبنيوية لمجتمعاتها بالقياس إلى نموذج الدولة ونموذج المؤسسة المدرسية الغربيين ونظرا لغياب البدائل قامت بلدان كثيرة، إزاء التزايد المطرد في عدد النشء الذين أتموا تعليمهم الابتدائي «6 سنوات» بتوظيف مزيد من الاستثمارات في إنشاء أنواع شتى من المدارس الثانوية وفي ذات الوقت الذي يعاد فيه النظر في التعليم الثانوي «التقليدي والتقني» في كثير من البلدان المتقدمة، يجري في بلدان الجنوب إقامة هذه الأنواع من المنشآت والتوسع فيها.

وحتى إذا كانت تتبع إلى حد ما في كل مكان «سياسات سليمة» و«ممارسات سليمة»، فإن تلك السياسات والممارسات ليست معروفة بالقدر الكافي، ولم يتم التعامل بالقدر الكافي في قيمتها في سياقات تختلف عن السياقات التي نشأت فيها.

أما البلدان المتقدمة، فهي تواجه اليوم نهاية النموذج الصناعي وتأخذ في الانتقال إلى المجتمع ما بعد الصناعي، الذي نطلق عليه أيضا اسم «مجتمع المعرفة» وظهرت مؤخرا في تلك البلدان ضرورة جديدة، تستند إلى مفهوم اقتصادي للجودة، حولت السياسات التعليمية من الإدارة التقليدية المعتمدة على المدخلات إلى إدارة موجهة بقدر أكبر صوب تحقيق النتائج «المخرجات» وصوب انعكاساتها «آثارها» الاقتصادية والاجتماعية ثم الثقافية بالتبعية.

وفي حالات معينة يلاحظ أن المركز المسند إلى تدريب النشء والشباب يأخذ الانتقال من ميدان الصالح العام الى ميدان الصالح الخاص، إذ بات ينظر بقدر أكبر إلى المؤسسة التعليمية على أنها توفر خدمة تعليمية تعود بالنفع على الأفراد قبل أن تعود به على الجماعة كما يخضع دور السلطات العامة لإعادة نظر، فهل يجب ان تستمر الدولة في تنظيم الخدمات التعليمية وتوفيرها في آن واحد؟ وعلى أية حال، فإن التنظيم التقليدي للخدمات التعليمية الموفرة للشباب يعاد النظر فيه على نحو أعمق من إعادة النظر في تأمين التعليم للأطفال، ويشمل ذلك إعادة النظر في الأهداف، وقواعد الممارسة المدرسية، والمضامين وتحولها المستمر.

وتواجه البلدان النامية، شأنها في ذلك شأن البلدان المتقدمة، مسألة إدارة التغيير وتلك الإدارة تتطلب من الجميع فيما تتطلبه جهدا دؤوبا من أجل نشر المعلومات وطرح الحجج وإجراء المناقشات، وتتطلب بالتالي مراجعة معمقة للاستراتيجيات والأساليب التقليدية التي تتبعها السلطات المدرسية في مجال الاتصال، والمنابر الدولية مثل اليونسكو، والمنظمات الدولية الأخرى، والمنظمات الاقليمية مثل منظمة الدول الأمريكية وتجمع افريقيا الجنوبية والشرقية لمراقبة نوعية التعليم، لها دور استراتيجي تقوم به في هذا الشأن.

 

التجديد في إطار الأشكال التعليمية القائمة

تمثل النظم التعليمية واقعا معقدا يخضع لشتى أنواع الضغوط وأشكال المقاومة الداخلية والخارجية، ومن ثم فإن تطورها أو تغييرها يتم في أغلب الحالات ببطء وصعوبة، والاعتقاد بأنه يمكن تغييرها بصورة جذرية وخلال مهلة قصيرة جدا يعد ضربا من الأوهام، ومن منظور واقعي، فإن جميع البلدان ستضطر بلا شك الى إدارة ما هو موجود وتحسينه تدريجيا، ولما كان من غير المحتمل ايجاد حلول مستديمة في الأجل القصير، فإن المسألة الرئيسية تتعلق بالدور الحاسم الذي ينبغي أن يؤديه التجديد المدرسي في توجيه التغيير الدائم.

ويزخر هذا الميدان بالبحوث والاتجاهات وخطط العمل، وقد جمعت العناصر الرئيسية في هذا الصدد، والمنبثقة عن اجتماعات دولية عقدت مؤخرا، ولاسيما تحت رعاية اليونسكو، في الملف التوثيقي تر «متد» مدت 47 إعلام 1، ومعظم هذه الاتجاهات تحتفظ بكامل قيمتها ومن الصعب للغاية اقتراح خلاصة جامعة لها، كما أنه من الصعب جدا صياغة اقتراحات مختلفة بالنسبة لكل نوع من الخدمات التعليمية المعروضة وللعالم أجمع، ومع ذلك، وتوخيا فقط لتيسير تبادل وجهات النظر أثناء المؤتمر، يمكن تحديد بعض التحديات، مع بيان بعض الفروق البسيطة الخاصة بكل نوع من الخدمات التعليمية المعروضة، وتتمثل هذه التحديات بصورة رئيسية في الآتي:

التعليم الموجه إلى المستَبْعَدين، والسنوات الأخيرة من التعليم الإلزامي، والتعليم الثانوي العام، والتدريب المهني.

وبالنسبة للمراهقين والشباب الذين استبعدوا من إمكانيات الحصول على تعليم ابتدائي، ينبغي أن يتم إعادة دمجهم في النظام التعليمي على أساس ضمان ما يلي:

1- أن يكون التعليم الموفر لهم موائما لسنهم.

2- أن تراعي الأساليب التعليمية تجربتهم في الحياة.

3- أن تكون المضامين مجدية لمستقبلهم، ومفيدة لحياتهم اليوميةالحالية.

4- أن تراعي الحياة المدرسية الامكانيات والقيود المرتبطة بالتزاماتهم الاسرية وضرورات العمل ودورهم كمواطنين.

5- ان يتلقى المعلمون تدريبا يراعي الاحتياجات الخاصة لهذه الجماعات.

6- أن تولى أهمية كبيرة للتوجيه المدرسي والمهني.

وفيما يخص السنوات من السابعة إلى التاسعة من التعليم المدرسي، التي تشمل في الغالب السنوات الاخيرة من التعليم الالزامي، يبدو انه ينبغي ان يتم على سبيل الاولوية ضمان ما يلي: (1) تعزيز المهارات الاساسية، (2) مواصلة اتباع اساليب التعليم القائمة على المشاركة الفعالة، (3) العمل على أن تكون المضامين مستوفاة من وجهة نظر الوضع الراهن للمعارف والدرايات وتراعي في الوقت ذاته احتياجات المراهقين والشباب واهتماماتهم، (4) العمل على أن تشجع الحياة المدرسية الاعتداد بالنفس، كشرط اساسي للاعتراف بالغير و«العيش معا في سلام»، (5) تحويل المعلمين الى شركاء حقيقيين في عملية تأهيل متكاملة ونشطة، ترتبط ارتباطا وثيقا بحياة المجتمع المحلي وبالعالم.

وفيما يتعلق بالسنوات من العاشرة الى الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من التعليم المدرسي، التي تضم عادة المرحلة الاخيرة من التعليم الثانوي، يبدو انه ينبغي ان يتم على سبيل الاولوية ضمان ما يلي: (1) مواصلة تعزيز المهارات الاساسية بدون إثقال العبء في هذا الصدد عن طريق تكديس واستظهار معلومات مجزأة، (2) زيادة تضمين التجارب في مجال التعليم أعمالا في شكل مشروعات تراعى فيها احتياجات المجتمعات المحلية والشباب انفسهم، (3) استيفاء المضامين وربطها بخلفيتها التاريخية وبتطبيقاتها العملية، (4) زيادة مشاركة الشباب في عملية اتخاذ القرارات بشأن الحياة المدرسية، (5) تمكين المعلمين من تلقين الشباب الرغبة في التعلم واستحداث المشروعات في اطار المهارات المكتسبة من المواد الدراسية (لغات، رياضيات، علوم، الخ)، بل فيما وراء ذلك وانطلاقا من منظور جامــــــع للتخصصات.

اما فيما يخص التعليم المهني، فيمكن ذكر مجموعة كبيرة من الاولويات من ضمنها: (1) تأمين تدريب اساسي واسع النطاق وتفادي التخصص في سن مبكرة، (2) ضمان توفير تدريب عملي الى جانب تنمية المهارات الاساسية وتنظيم المفاهيم والتحديد، (3) الربط بين الدرايات المحددة والمضامين، (4) توفير فرص التعليم للعمل، مع تعلم مهارات استحداث المشروعات، (5) تيسير الاتصال بمدربين يتمتعون بخبرة مهنية فعلية.

 

تكوين رؤية جديدة طويلة الاجل

تواصل الاسر والمجتمعات المحلية والسلطات العامة بذل جهود كبيرة لكي يستمر التعليم المدرسي لفترة اطول فأطول، اي الى ما بعد التعليم الابتدائي، والسؤال المطروح هو ما اذا كان ينبغي ان يتم هذا التعليم المدرسي في مؤسسات من النوع الذي ابتكر ونظم خلال القرن التاسع عشر والجزء الاول من القرن العشرين، استنادا الى نماذج اقدم عهدا مثل النموذج الاغريقي وكلية الفنون في القرون الوسطى.

فالنظم التربوية كما نعرفها اليوم انشئت وطورت في بيئة تتسم بوجود اقتصادات ودول قومية تبدو مستقرة، وبوجود اعداد كبيرة من السكان في الارياف، وبمطالبات محدودة ومتجانسة نسبيا على صعيد تحقيق الديمقراطية، اما المقتضيات الحالية فهي اكثر شمولا وتنوعا في الوقت ذاته، وتقترن بوجود بنى اسرية ونظم للاعلام والاتصال مختلفة تماما.

ويمكن ان نتساءل وبحق عما اذا كان هذا النوع من النظم التربوية قادرا على الاستمرار على المدى الطويل، واستنادا الى تحليل الوضع على نحو ما تعرضه هذه الوثيقة، سواء فيما يخص تطور العالم او دور النظم التعليمية في الاستجابة لاحتياجات الشباب التعليمية بغية ضمان اندماجهم في حياة المجتمع ومشاركتهم في التنمية المستديمة وفي بناء عالم اكثر اتساما بالطابع الانساني، يبدو ان الرد على مثل هذا السؤال اميل الى النفي ويرى العديد من المراقبين انه ينبغي وضع صيغة جديدة للتعليم في العالم اذ يبدو ان المشكلة، اذا استمررنا في الطريق الحالي، هي في الواقع جزء لا يتجزأ من الحل، وان مواصلة تكرار الشيء نفسه، حتى مع ادخال تحسينات عليه، قد تفضي بنا الى طريق مسدود، ولاشك في انه يمكن الاستفادة من البحوث التي اجريت مؤخراً في هذا الصدد، التي اسفرت عن تحديد عدد من السيناريوهات للمستقبل من اجل تكوين رؤية طويلة الاجل في هذا الشأن، وتشكل اعمال مركز البحوث بشأن التجديد في مجال التربية التابع لمنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي مبادرة مشجعة.

واستنادا الى هذه الاعمال، استخلص مجلس مكتب التربية الدولي لليونسكو، في المنتدى الذي نظمه خلال دورته الخمسين، في يناير 2003 بعض العناصر لوضع سيناريو تربوي ملائم على مستوى العالم، ويراعي هذا السيناريو العولمة ولكنه يربطها بيوتوبيا مجتمع المعرفة ومجتمع الاتصال الشبكي، وبحرية تبادل السلع والخدمات الثقافية والتربوية، وفي سيناريو كهذا، لا يكفي تغيير كل مدرسة، بل يجب ربط هذه المدرسة بالمدارس الاخرى، وبالمؤسسات التعليمية المجاورة وبنظم الادارة العامة.

وفي مختلف العمليات الاستشرافية التي اجريت على المستوى الوزاري مع ممثلي بلدان افريقية واسيوية، جرى التركيز على ضرورة ان تكون جميع المؤسسات التربوية ومنها مثلا المؤسسات المخصصة للمراهقين والشباب- مرتبطة بالمجتمعات المحلية، ولاشك ان تأمين ذلك يمثل شرطا ضروريا لكنه غير كاف، لتحسين نوعية التعليم الذي توفره المؤسسة المعنية، فالمؤسسة التعليمية هي وحدة صغيرة جدا بل وضعيفة احيانا، وهذا ما يجعلها غير قادرة على اجراء التغييرات اللازمة والنهوض بحركة استباقية ازاء المعرفة، والانتاج، والحياة الاجتماعية والعائلية والشخصية فان من شأن الربط بين المؤسسات على اختلاف انواعها ان يجعلها اقوى من الوحدات المعزولة، لاسيما اذا ما وفرت لها المعلومات الملائمة، واديرت على نحو يراعي المعارف التجريبية ووفقا لتحليل واضح، وشاركت في عمليات التبادل.

 

دمج سياسات التعليم

يقدر أن يؤدي الاثر الاقتصادي الذي ينجم في الاجل الطويل عن اي سنة دراسية اضافية في اكثر البلدان تقدما في العالم، الى زيادة القدرة الاجمالية على الانتاج بنسبة 6% ولكن هذا الاثر لا يحدث بصورة آلية أو مضمونة.

وقد لوحظ خلال الدورة السادسة والاربعين للمؤتمر الدولي للتربية ان اكثر من 180 مليون شخص قد لقوا حتفهم خلال القرن العشرين نتيجة جرائم ارتكبها اشخاص قضوا جزءا كبيرا من حياتهم في النظم التعليمية للبلدان الفقيرة أو الغنية.

فالتعليم، ايا كان الاستثمار المالي والاجتماعي، والعلمي والبيداغوجي لكل بلد، لا يستطيع ان يكفل وحده التنمية الاقتصادية، وتماسك النسيج الاجتماعي، وبناء السلام، بل انه يمكن ان يسهم، في بعض الحالات، في نشوء نزاعات، كما هو الحال في الانظمة الشمولية وفي حالة الحركات الارهابية، وتتوقف منافع التعليم الاقتصادية والاجتماعية في المقام الاول على نوعية التعليم المقدم، ونوعية التعليم مرهونة بوجود سياسات عامة متسقة ومتماسكة ترمي الى معالجة الاختلالات القائمة في كل مجتمع وكل منطقة وتشتمل كشرط من شروط نجاحها على عزم واضح ومستمر على ايلاء الاولوية للتعليم، لاسيما تعليم المراهقين والشباب، فينبغي ان يكون التعليم مسألة تهم الجميع وتعني الحكومة بمجملها، ويبدو أن النهج الوحيد الفعال في هذا الصدد يتمثل في انتهاج سياسة شاملة جامعة للقطاعات ومشتركة بين الوزارات.

وفي بلدان كثيرة، هناك حوار سياسي حقيقي جار تبدو فيه الشراكات بمثابة الغرض المنشود من هذا الحوار والقوة المحركة له في نفس الوقت، وبات يشمل بصورة متزايدة، وبالاضافة إلى الشركاء الاجتماعيين الاعتياديين، مجمل المجتمع المدني الذي يضطلع هو أيضا بدور حاسم في تكوين الرصيد الاجتماعي والبشري والايكولوجي، ويتجلى نمو المجتمع المدني في تزايد عدد الرابطات والمنظمات غير الحكومية وتنوعها، وفي تعاظم دورها في الحياة الثقافية للمجتمعات وفي العلاقات الجديدة بين الميدان الثقافي والميدان الاقتصادي والميدان السياسي.

وثمة شراكات أخرى تكتسب أهمية متزايدة فيما يتعلق بتعليم الشباب، فوسائط الاعلام مثلا تؤدي أكثر فأكثر دورا يتجاوز وظيفتها كوسيلة للاتصال لتصبح طرفاً فاعلا في النظم التعليمية ذلك أن وسائط الإعلام، وبوجه خاص التليفزيون، تشغل حيزا مهما من حيث المكان والزمان في حياة الشباب وتضطلع بدور حاسم في اندماجهم في المجتمع، وينبغي اعتبار منتجي الادوات والبرامج والمضامين التعليمية على الانترنت، والأسر والطلبة انفسهم شركاء بكل معنى الكلمة.

ونظرا لأهمية الاندماج في الحياة المهنية بالنسبة للتعليم الثانوي، ينبغي أن تصبح الشركات وعالم الاقتصاد عموما من أهم شركاء التعليم، وينسحب ذلك أيضا على كل قطاع التعليم غير النظامي وغير الرسمي.

ولم تعد المسائل المطروحة اليوم تتعلق فعلاً بالاعتراف بجميع هؤلاء الشركاء أو بشرعيتهم، وانما بتنظيم الاستعانة بهم بطريقة ناجحة وبناءة في اطار نظام قائم على إدارة عامة سليمة، فكيف يمكن تهيئة الظروف ووضع المنهجيات الملائمة للحوار والعمل بغية استحداث حلقة من العلاقات الودية بين جميع الاطراف الفاعلة في مجال تعليم المراهقين والشباب؟ وكيف يمكن تنفيذ وإدارة هذه الشراكات يوما بعد يوم؟

ليس هناك رد جاهز أو نموذج جاهز للاستعمال (وللتصدير) ومع ذلك، فإنه لا يكفي أن «نؤمن» بالشراكات ولا أن نعلنها أو نؤكد اهميتها فالنجاح في هذا المضمار يتطلب توافر عدد من الشروط، ولاسيما مدى قرب الأوساط التعليمية وملاءمة الشركاء وشرعيتهم، توافر الثقة المتبادلة والممارسة الفعلية للديمقراطية، توافر العزم السياسي لدى الجميع، وجود تعريف واضح لادوار مختلف الاطراف الفاعلة، وجود بنى للحوار والتشاور والتوجيه في شكل «مجالات بينية» لبحث القضايا المشتركة، توافر الوقت اللازم للتشاور، ووجود سياسات فعالة في مجال الإعلام والعلاقات العامة.

ويمكن الاستعانة ايضاً ببعض الأدوات المفيدة على مستوى الاستراتيجيات فالمواثيق والعهود واتفاقات التشاور تعتبر مثلا ادوات تسمح باعتماد استراتيجيات طويلة ومتوسطة الاجل نظرا لان التحولات الاجتماعية والتربوية المستهدفة لا تتفق مع مدد ولاية الزعماء السياسيين في الحكم «والتغيرات المفاجئة التي تمليها في معظم الأوقات السلطات السياسية» ومن امثلة الأدوات الاستراتيجية لشراكات تتسم بالطموح، اعلان واهداف الألفية التي اعتمدتها الأمم المتحدة، والمواثيق التربوية والخطط الاستراتيجية التي اعدتها بعض البلدان وهذه الوثائق لا تعكس دائما إجماعا أو توافقا واسع النطاق في الاراء وانما تؤدي دور اتفاقات واضحة ومشتركة والتزامات يتحملها جميع الشركاء.

 

تعزيز تعبئة المجتمع الدولي

ان الشراكات الدولية بالاضافة إلى الشراكات بين مختلف الاطراف على الصعيد الوطني، هي مسألة ضرورية لتأمين تعليم جيد للشباب كافة، ولقد أكد المجتمع الدولي باعتماده اطار عمل داكار على «أن نقص الموارد لن يثنى أياً من البلدان الملتزمة جديا بالتعليم للجميع عن تحقيق هذا الهدف» بيد أن عملية تمويل التعليم الجيد للشباب كافة لاتزال تفتقر إلى الامكانيات فعلى الرغم من الاعلان مؤخراً عن زيادة المساعدة، الدولية المقدمة من الدول الصناعية، فإن الجهود المبذولة لاتزال غير كافية لتحقيق اهداف الامم المتحدة الانمائية للالفية، ويتوجب عمليا مضاعفة مبالغ المساعدة الحالية إذا أريد تحقيق هذه الأهداف، ومعظم الاطراف الثنائية المانحة كانت قد قررت تخصيص نسبة 0.7% من اجمالي ناتجها القومي للمساعدات الانمائية، لكن معظم هذه الاطراف، باستثناء الدول الاسكندنافية، لم تحقق هذا الهدف، وخلال الفترة عام 1990 إلى عام 1997 انخفض في الواقع حجم المساعدة التي تقدمها الاطراف الثنائية للتعليم (انخفض المبلغ من 3.64 إلى 3.55 مليار دولار أمريكي بالقيمة الاسمية) كما ان الموارد المتاحة خصصت في المقام الأول للتعليم الابتدائي، وفي كثير من الاحيان لا تزال بعض البلدان تنفق على التعليم العالي نسبيا، أكثر مما تنفق على التعليم الثانوي الذي يبدو بناء على هذا، ومرة اخرى، النظام التعليمي الاقل حظاً بين النظم التعليمية إلى جانب التعليم قبل المدرسي وتعليم الكبار.

وينبغي أيضاً الا تقتصر تعبئة المجتمع الدولي على مسألة تمويل تعليم الشباب، وانما ينبغي ان تقوم على وجه الخصوص بدور ترويجي ومحفز وداعم وتعزيزي للسياسات التعليمية.

ويتعين على الدول المنتفعة أن تقوم بنفسها باعداد وادارة استراتيجياتها الرامية إلى تحقيق الاهداف التعليمية وينبغي ان تقدم المساعدة على اساس النتائج وأن تحدد بالاستناد إلى الخبرة المتوافرة في اطار المقترحات الوطنية وإلى عمليات متابعة البرامج التعليمية وتقييمها وتمحيصها على نحو دقيق، كما ينبغي للجهات المانحة ان تنسق دعمها للسياسات التعليمية الوطنية على نحو أفضل، وتتسم مسألة تعزيز السياسات والمؤسسات، أي اصلاح اساليب التوجيه العام بالنسبة للكثير من البلدان، بأنها الأكثر حاجة إلى الدعم من الخارج فينبغي أن تحظى عملية تعزيز هذه القدرات في مجال التخطيط للتعليم وتنظيمه بالأولوية في إطار المساعدة الإنمائية بدون أن تستأثر، مع ذلك، بالقسم الأكبر من التمويل.

ان الطريقة التقليدية المتمثلة في ارسال خبراء اجانب لتدريب مواطني البلدان المنتفعة، يمكن أن تؤثر في امكانيات تعزيز الخبرة المحلية كما ان اسلوب ارسال مواطنين من بلدان الجنوب إلى الخارج للتدريب والتعلم من أجل الحصول على دبلوم، قد يفاقم بكل بساطة من عملية هجرة الكفاءات، ويبدو ان المساعدة المقدمة لقطاع التربية يمكن ان تكون أكثر فعالية لو انها تفسح المجال للبلدان المنتفعة لان تقوم بإدارة نظمها التعليمية بنفسها، بدلاً من ربط هذه النظم بالمصالح الجيوبوليتيكية للهيئات الممولة، كما ينبغي لهذه المساعدة اليوم أن تستهدف تنمية الموارد البشرية لضمان استدامة التحسينات التي تتناول أوضاع التعليم.

وعلى هذا، فإن هناك حاجة على الصعيد العالمي لشراكات أكثر متانة من أجل الحد من أوجه عدم المساواة في العالم، وثمة اليوم تساؤل بشأن مدى فعالية التعاون الدولي على نحو ما يؤكد ذلك تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لعام 2003 بشأن التنمية البشرية، فينبغي تحديد الآليات الفعالة للتعاون الدولي في مجال قطاع التربية لكي يتم تعزيزها أو تطويرها أو استحداثها.

إن الدورة السابعة والأربعين للمؤتمر الدولي للتربية يمكن ان تشكل خطوة جديدة نحو حوار متماسك ومعمق ومتجدد بشأن كافة القضايا المهمة لمستقبل العالم، فإذا كانت المسؤولية الأولى تقع على عاتق كل دولة على حدة، فإن هناك ايضاً مسؤولية دولية لتحسين مستوى تعليم الشباب في جميع أنحاء العالم.

وقد شارك عشرات من الطلاب والشباب في تشكيل بعض اللوحات في المؤتمر على شكل حوارات وتقديم مرئيات وجلسات نقاشية معبرة كلها تمثل دعوة صارخة إلى العمل وعدم الخلود إلى الراحة إلا بعد أن يجعلوا الحلم حقيقة والتصور واقعا.